التحديات والسيناريوهات أمام الحكم الذاتي في “روج آفا”

فريق المراسلينآخر تحديث : الأربعاء 9 أغسطس 2017 - 12:11 صباحًا
التحديات والسيناريوهات أمام الحكم الذاتي في “روج آفا”

تمثّل التحوّل الأهم في الانتفاضة السورية، بانعطافها نحو العسكرة، وهو ما بدأت مظاهره تزداد حدّة في 2012، وقد اضطر النظام السوري إلى اتباع تكتيكات مختلفة لمواجهة ذلك التحوّل، ومنها سحب قواته تدريجياً من مناطق الشمال ذات الأغلبية الكردية، وقد ترتّب على انسحابه حالة من الفراغ، والتي قام “حزب الاتحاد الديمقراطي” بملئها، وفرض سياساته بالتدريج على المنطقة، من دون أن تتمكن القوى والأحزاب الكردية الأخرى (أحزاب المجلس الوطني الكردي) من مقاسمته ذلك النفوذ، نظراً لكونه الفصيل السياسي الأكثر تنظيماً من جهة، وخبرته الطويلة في العمل المسلح، كونه يشكل امتداداً لحزب “العمال الكردستاني” في تركيا، ولديه مقاتلون مدربون، وبعضهم خاض معارك سابقة ضد قوات الجيش التركي.

ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2013، اعتبر “حزب االتحاد الديمقراطي” المناطق الواقعة تحت سيطرته بأنها مناطق حكم ذاتي، وهي خطوة القت استنكاراً من أطراف مختلفة، منها طيف واسع من المعارضة السورية، وفي مقدمتها المعارضة الإسلامية، بالإضافة إلى تركيا، والتي وجدت في تلك الخطوة نحو الحكم الكردي الذاتي تهديداً لأمنها القومي على حدودها الجنوبية، ومع ذلك فإن “حزب الاتحاد الديمقراطي” تمكن من الحصول على دعم روسي وأمريكي، مستفيداً من التناقضات الروسية التركية في البداية، ومن ثم قدم نفسه شريكاً لأميركا في القضاء على “داعش.”

مثّلت سياسات “حزب الاتحاد الديمقراطي” حالة متقدمة من البراغماتية السياسية، فهو أعلن نفسه في البداية كجزء من المعارضة السورية، بوصفه أحد مكونات “هيئة التنسيق الوطنية”، ثم قام بتقوية موقفه العسكري على الأرض ، وحماية المناطق الواقعة تحت سيطرته من اختراقات “داعش”، وغيرها من القوى المتشددة، كما أنه على الرغم من إعلانة الفيدرالية لكنه بقي متمسكاً بوحدة الوطن السوري، بالإضافة إلى تمييز نفسه في قضية الديمقراطية والعلاقة مع المرأة عن بقية فصائل المعارضة السورية الأخرى. لكن الإنجازات التي حققها “حزب الاتحاد الديمقراطي” تواجه عدد من التحديات الرئيسة، خصوصاً في العلاقة مع الأطراف الفاعلة في الملف السوري، والتي تتضارب مصالحها إلىحد بعيد، ولدى كل منها رؤية مختلفة لمستقبل الأوضاع في سورية، كما أن المصالح البينية لتلك الدول تبقى أهم بكثير من المصالح مع أي فصيل موجود على الأرض السورية، لكن غياب البدائل الوطنية ستبقى أحد العوامل المهمة في تحديد مستقبل “روج آفا.”

التوجه العام الامريكي في دعم “قوات حماية الشعب الكردية” يتمثل في استثمار هذه القوات لمحاربة “داعش”، والقضاء عليه، في ظل غياب بدائل محلية أخرى يمكن الاعتماد عليها في محاربة الإرهاب ، وقد أظهرت “القوات الكردية” إمكانيات وخبرات جيدة في معارك الرقة ضد”داعش”، لكن واشنطن لم تقر حتى اللحظة بأي تحالف استراتيجي مع “القوات الكردية”،خصوصاً أنها تدرك مدى التحفظ التركي على تلك القوات.

أما الروس، فلديهم تكتيكات متنوعة في العلاقة مع الأوضاع  على الأرض ، ويمكن القول بأن موقفهم من “القوات الكردية” لا يتعارض مع استثمارهم من قبل الأمريكان في محاربة “داعش”، كما أنهم لا يريدون إعطاء فرصة لتركيا كي تقوم بتحجيمهم، لكي تبقى “القوات الكردية” ورقة ضغط ضد أنقرة.

وبالنسبة للموقف الإيراني فهو يقوم على ثابت رئيس، يتمثل بإمكانية التنسيق بين “قوات الحشد الشعبي” و”القوات الكردية” لضبط المنطقة الممتدة من الموصل وحتى الرقة، من أجل منع أي عودة لظهور تنظيمات راديكالية إسلامية ، وهو ما يعطي طهران نفوذاً أكبر في العراق وسورية معاً، وهو ما يتعارض مع التوجهات الروسية بعيدة المدى.

إن تضارب الأجندات والمصالح حول سورية عموماً، وحول منطقة الشمال السوري بشكل خاص، يجعل من الصعب التكهن بإمكانية حصول اعتراف دولي بالحكم الذاتي، ما يجعل “روج آفا” أمام سيناريوهات محددة، وهي:

-نموذج الاعتراف المنفرد من قبل دولة محددة، كأن يقوم الروس بالاعتراف بالحكم الذاتي الكردي، من دون عودة إلى الأمم المتحدة، بحيث تكون روسيا هي الدولة الضامنة للحكم الذاتي، والمحددة لعلاقات “روج آفا” الخارجية، على غرار نموذج ترانسنيستريا، وهي منشقة عن مولدافيا، ولم تعترف بها سوى روسيا.

-اعترف جزئي، بحيث تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى وضع قوات لها داخل “روج آفا”، من أجل دعم استقلالها ، ومن ثم تأكيد هذا الاستقلال من خلال قرار أممي، كما حصل في كوسوفو، لكن مثل هذا السيناريو سيكون بمثابة ضربة للعلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وتركيا.

-نموذج “إقليم كردستان العراق”، بحيث تكون الدولة التركية هي الراعية لمثل هذا التوجه، وهو ما يتطلب اتفاقاً استراتيجياً يمتد إلى الداخل التركي، بحيث يشمل توافقات أوسع مع “حزب العمال الكردستاني”، وهو خيار غير مستبعد، لكن لاتوجد له مؤشرات واقعية حالياً، لكنه قد يكون من أكثر النماذج قبولا لدى الواليات المتحدة.

-نموذج إنهاء تجربة الحكم الذاتي كلياً، وإعادة دمج قسرية لمناطق “روج آفا” ببقية المناطق السورية، خصوصاً إذا ما حدثت توافقات تقوي من إمكانيات وقدرات الدولة المركزية، فالنظام السوري ما زال يطرح نفسه كنظام مركزي، وإذا ما مضت الحلول السياسية نحو تفاهمات بين النظام المركزي وقوى المعارضة، فإنها قد تمتد نحو التفاهم على إنهاء تجربة الحكم الذاتي الكردي.

إن التحديات التي تواجه الحكم الذاتي في “روج آفا” لا تتمثل فقط بتضارب المصالح الدولية والإقليمية ، ومحاولة اللاعبيين الدوليين و الإقليميين استثمار الورقة الكردية، وإنما أيضاً بعدد من التحديات الداخلية، وفي مقدمتها التحدي الاقتصادي ، فعلى الرغم من اشتمال مناطق الحكم الذاتي على ثروات زراعية ونفطية جيدة، إلا ان البنية التحتية ضعيفة، وتحتاج إلى إمكانات مادية كبيرة من أجل تأهيلها، وثمة حاجة ماسة إلى وجود كوادر بشرية مؤهلة تفتقدها تلك المناطق، خصوصاً بعد لجوء معظم تلك الكوادر إلى أوروبا، يضاف إلى ذلك مشكلة التعليم العالي، حيث تفتقد المنطقة إلى جامعات ومعاهد عليا لاستيعاب أبناء المنطقة.


المصدر - أسبار للدراسات
رابط مختصر
2017-08-09
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة برس 23 Press وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

فريق المراسلين Sweden